وفي الختام، فإن روح التضحية والتفاني التي جسدتها تجربة الأنصار الشيوعيين، وغيرها من تجارب النضال اليساري في العراق[9]، ينبغي أن تتحول إلى طاقة فاعلة موحدة تصب في خدمة قضايا شغيلات وشغيلة اليد والفكر. وأجدد التأكيد على ضرورة تجديد وتوحيد القوى اليسارية والتقدمية، بمختلف فصائلها وتياراتها، وتعزيز العمل المشترك فيما بينها. المجد والخلود لشهداء الحركة اليسارية العراقية والكردستانية بمختلف فصائلها، وفي مقدمتهم شهداء وشهيدات الأنصار الشيوعيين. وسيبقى اليسار، بمختلف فصائله، الأمل الإنساني المشرق في مواجهة الفساد والاستبداد السائدين في العراق، اللذين يكرسهما كل من نظام المحاصصة القومية والدينية السيئ الصيت في بغداد، والحكم العائلي العشائري في إقليم كردستان.
تبقى تجربة الأنصار الشيوعيين1 في العراق واحدة من أروع وأهم تجارب النضال الشيوعي في تاريخ العراق الحديث. ولكل تجربة نضالية جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ولا تخلو أي تجربة إنسانية أو سياسية من ذلك، مهما بلغت نزاهتها وسمو أهدافها. غير أن هذه التجربة، بكل ما رافقها من نقاش وتباين في وجهات النظر بشأن بعض جوانبها، تبقى شاهداً حياً على أن الفكر اليساري قادر على إنتاج أروع النماذج النضالية وأكثرها صدقاً في أقسى الظروف وأحلكها. فقد جسدت نموذجاً رائعاً للتضحية والفداء والإصرار على المضي في طريق الحرية والعدالة الاجتماعية، رغم ما واجهته من حصار وملاحقة وقمع على يد النظام البعثي الفاشي2 .
وتميزت حركة الأنصار الشيوعيين بانصهار مقاتليها من خلفيات قومية ودينية مختلفة، عرباً وكرداً وكلداناً وآشوريين وسرياناً وتركماناً وكرداً فيليين وأرمناً، مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين وصابئة مندائيين وإيزديين وشبكاً، رجالاً ونساءً، في بوتقة واحدة يحكمها حس أممي عميق، إذ لم يكن للقومية أو الدين وزن كبير في وعي أولئك الشيوعيين، بقدر ما كانت الهوية الطبقية والانتماء الأممي هما الرابط الحقيقي بينهم. فجسدت الحركة بذلك نموذجاً حياً لتآخي مكونات الشعب العراقي. وقد أعطى هذا الطابع الأممي للحركة انطباعاً راسخاً لدى سكان القرى الكردية بأن عدوهم الحقيقي هو النظام البعثي وسياساته القمعية، لا العرب كقومية، خلافاً لما حاولت بعض الأطراف القومية المتشددة، من الجانبين، الترويج له من خطاب يختزل الصراع في بعد قومي ضيق. وشهدت الحركة أيضاً سابقة تاريخية بارزة، إذ حملت النصيرات الشيوعيات السلاح لأول مرة في تاريخ الكفاح المسلح في كردستان، وخضن جنباً إلى جنب مع رفاقهن معارك النضال ومهامه كافة. وقد ترك حضور المرأة المقاتلة أثراً عميقاً في وعي القرى الكردية التي احتضنت الأنصار، إذ أسهم في ترسيخ نظرة أكثر مساواة تجاه دور المرأة في المجتمع، وفتح أمام نساء تلك القرى أفقاً جديداً لتصور ذواتهن فاعلات في الشأن العام.
ومن أشد الجوانب إيلاماً في هذا المسار مجزرة بشتآشان3 ، التي نفذتها قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بحق أنصار الحزب الشيوعي العراقي في الأول من أيار/مايو 1983، وأودت بحياة أكثر من مئة من الرفيقات والرفاق. وتبقى هذه الجريمة جرحاً غائراً في ذاكرة الحركة الأنصارية، ويستحق ملفها مزيداً من التوثيق والمساءلة، إنصافاً لذكرى الضحايا.
وفي عام 1988، عاش الأنصار الشيوعيون عن قرب إحدى أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، وهي حملة الأنفال4 ، التي شنها النظام البعثي بحق سكان إقليم كردستان، وأودت بحياة أكثر من مئة وثمانين ألف إنسان، ودمرت آلاف القرى، واستخدم فيها السلاح الكيميائي المحرم دولياً. وفي تلك الظروف القاسية، تراجعت حركة الأنصار الشيوعيين بشكل كبير، بعد أن فقدت قاعدتها الشعبية في القرى التي دمرتها الحملة وهجر سكانها، واضطر كثير من مقاتليها إلى الانسحاب نحو مناطق أكثر أمناً أو اللجوء إلى الأراضي الإيرانية والتركية المجاورة.
وقبل أن تتبلور تجربة الأنصار الشيوعيين بالشكل الذي عرفناه، سبقتها في تاريخ اليسار العراقي محاولة أخرى للكفاح المسلح، قادها الشهيد خالد أحمد زكي5 في أهوار الجنوب عام 1968، متأثراً بالنموذج الغيفاري وأفكار الثورة المسلحة التي التقطها من محيطه الأممي. سقط خالد أحمد زكي ورفاقه في معركة هور الغموكة، لكن تجربته بقيت محفورة في الذاكرة اليسارية العراقية، وألهمت لاحقاً أعمالاً أدبية وفنية وثقت تلك اللحظة النادرة من تاريخ اليسار العراقي.
لا بد من الاستناد إلى السياق التاريخي عند تقييم تجربة الأنصار والكفاح المسلح وكافة التجارب وأشكال النضال اليسارية المختلفة. ورغم تحفظي اليوم على الكفاح المسلح بوصفه أسلوباً للنضال، فإن ظروف تلك المرحلة، في ظل الهجمة الوحشية للنظام البعثي الفاشي على اليسار وسائر القوى التقدمية، لم تترك في تقديري خياراً آخر سوى حمل السلاح، ولو من أجل الدفاع عن النفس في مواجهة القمع والتصفية، والمساهمة في إسقاط النظام الدكتاتوري آنذاك.
وأتطرق هنا إلى تجربتي الشخصية معها. ويشرفني أنني كنت أحد المشاركين في هذه التجربة من خلال نشاطي في التنظيمات السرية للحزب الشيوعي العراقي6 داخل العراق بين عامي 1983 و1990، ضمن منظمة 31 آذار7 ، التي كانت إحدى أكبر التنظيمات السرية للحزب، وكان لي شرف المساهمة في قيادتها، وضمت العشرات من الرفيقات والرفاق من مختلف مناطق العراق. وكانت المنظمة مرتبطة في البداية بالحركة الأنصارية عبر السرية الخامسة المستقلة، وأحياناً عبر الفوج الثالث أو مباشرة بقاطع بادينان8 . وكنا، إلى …